أبطال الحياة ( حكاية بطل / بطلة )
[align=justify]
إخوتي .. أخواتي .. حيّاكم الله :
في هذه السّاحة نجمع حكايات أبطال وبطلات للحياة ممن يحاولون تجاوز ظروفهم الصّحّيّة والاجتماعية والنّفسيّة مهما بلغت من الصّعوبة ويسعون للنّجاح في أدوارهم التي اختاروها أو اختارتها لهم الأقدار الإلهية بكل إيمان وصبر وبذلك استحقّوا أن يكونوا أبطالاً وبطلات للحياة ..
ربما تتساءلون لماذا اعتبرت المشكلة الصّحّيّة اختلافاً والمشكلة الاجتماعية والنّفسيّة إعاقة .. والجواب هو أنّ الاختلاف الجسدي القدري مهما بلغ لا يشكّل إعاقة كالتي تتسبب بها المجتمعات على الأغلب بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، فالإنسان بطبعه أصبر على ابتلاء الله من صبره على أذى النّاس وامتهانهم له .. وقد يجتمع لدى بعض الناس الحالتين معاً الاختلاف الجسدي والإعاقة الاجتماعيّة والنّفسيّة بنسب متفاوتة .. ولعلّ هذا التّفاوت هو ما يميّز في بعض الأحيان أناساً من أولئك عن آخرين في القدرة على الصمود والنجاح إضافة إلى تفاوت الإيمانيّات والتّكوين الفكري والشّعوري فيما بينهم ..
شاركونا بتجاربكم النّاجحة أو تجارب من حولكم ..وأثروا ساحتنا بآرائكم القيّمة .. لنجعل من أصحاب تلك التجارب مثالاً يحتذى للجميع ...[/align]
بطل الحياة : عبد الرحمن الغراوي .
[align=justify]
بطاقة البطل :
الاسم : عبد الرّحمن غراوي
العمر : 26
الجنسيّة : سوري / مواليد دمشق
الإقامة : الكويت
المؤهّلات : يجيد القراءة والكتابة
الهوايات : المطالعة / ارتياد المساجد / تلاوة القرآن الكريم وسماعه / الدّخول على المواقع الدّينيّة .
الامتياز : شلل نصفي خلقي في الطرف السّفلي مع صعوبة في النطق وأحياناً في التّركيز .
إلتقيت بهذا البطل الدّمشقي على غير ميعاد ، فبينما كنت أتحدّث إلى أخته نور صديقتي سألتها عن حاله فأجابتني أنّه موجود في دمشق ، فشدّني الأمر إلى طلب الاتّصال به للّقاء به ، فلمّا تكلّمت أخته معه رفض بادئ الأمر ، فأمسكت السّماعة وكلّمته وما إن أخبرته بهدفي من اللّقاء به حتّى تغيّرت نبرته ووجدته متعاوناً أكثر من أيّ شخص يتمتّع بكامل قدراته ورحّب بزيارتي .
دخلت البيت مع أخته ، والبيت ليس بغريب عليّ ، فأنا أعرف أسرة عبد الرّحمن ، وقد التقيته مرّة وكان له من العمر حوالي 12 عام .
جلست قليلاً .. وكنت أنتظر دخول عبد الرّحمن على كرسيّه المتحرّك، لكنّني فوجئت به يدخل زحفاً دون أدنى حرج ، لا أخفي عليكم أنّني ارتبكت ، وأحسست أنّ عليّ أن أجلس على الأرض لكنّ آلام ظهري ورقبتي حينها منعاني من ذلك واكتفيت بالانحناء تجاهه قدر استطاعتي ليشعر بدنوّي منه وتواضعي أمامه .
حيّاني بصوت جهوري بطيء لكنّه مشحون بالإيمان والعزم والكبرياء .
فرددت عليه التّحيّة وأخبرته أنّني سعيدة بلقائه ، كونه بطلاً من أبطال الحياة ، فأسعده هذا اللّقب كثيراً ، ثمّ أخبرته بمرضي ليشعر بالتّقارب أكثر وبدأت أحدّثه كيف أنّ الله يبتلي الإنسان ليرى مدى صبره ووو .. فوجدته أقدر منّي على فلسفة بلائه .
في الحقيقة لم أكن أتوقّع ذلك ، ولكن بعدما سمعت منه وجدتني أكثر ارتياحاً في حواره .
سألته : لماذا دخلت عليّ بدون الكرسي ؟
فأجابني : لا أحبّه .. فأنا أرتاح أكثر في التّجوّل زاحفاً .
فسألته : وهكذا تدخل دائماً ؟
فأجابني : نعم .
فسألته : هل تسمح لي بسؤال حسّاس ؟
فأجابني : أنا لا أخفي شيئاً ، تفضّلي .
فسألته : ألا تخجل من دخولك على النّاس زاحفاً .
فأجابني : لا .. هكذا أنا .. وهكذا أرتاح .. وأنا لا أفعل أمراً يجعلني أخجل .
فسألته : فما هي الأمور المخجلة في رأيك ؟
فأجابني : قلّة الأخلاق والأدب الّتي نراها من المطربين والمطربات كلّ يوم على الفضائيّات مثلاً . إنّهم مجانين ولا أستطيع سماع ضجيجهم وصخبهم .
طبعاً أذهلني جوابه واضطررت لإخفاء ابتسامتي وأنا اقول في نفسي : ليتني أستطيع إيصال صوتك إلى تلك الفضائيّات وإلى متابعيها من شبابنا وفتياتنا ليخجلوا من أنفسهم أمام ما فهمه هذا البطل ولم يفهموه ، أمام قدرته على مقاومة وإنكار ما لم يقاوموه وينكروه . وفعلاً قال بفطرته ما قاله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم : (( المجنون من عصى الله )) .
فسألته : إذن ماذا تتابع ... ؟
فأجابني : القنوات الإسلاميّة والقرآنيّة وطبعاً الأخبار . وعدّد لي أسماء دعاة وعلماء يحبّهم .
فسألته : وماذا تتابع في الأخبار ؟
فأجابني بنبرة قويّة : أتابع أخبار فلسطين والعراق . ( وانفجر باكياً ) وهو يقول لي : ألا ترين ماذا يحدث هناك ؟ .. إنّهم يقتلون الأطفال والأبرياء ويهجمون على الأقصى في فلسطين .. أنا أكره هؤلاء القتلة وأدعو عليهم .... وبدأ يردّد كلمات يحفظها :
أنا العاشق القدسي الذي ترك الأماني وانتفض
أنا من رمى المقلاع حهدي فأصاب ***ا يعترض
فدخلت أختاه يمان ونور (بعد أن تركاني معه وحدي بادئ الأمر بطلب منّي) أنّ لعبد الرّحمن رؤى صادقة فقبل دخول شارون مع جيش الاحتلال إلى الأقصى بأيّام كانت تأتيه كوابيس فينتفض صارخاً : الأقصى .. إنّهم يدخلون الأقصى .. وطبعاً لم يُعِر من حوله هذا الموضوع أدنى اهتمام ، وبقي على هذا الحال حتّى رأى العالم جميعه ذلك بأمّ أعينهم .
لم يعلّق عبد الرّحمن على حديث أخته أيّ تعليق يوحي بإبراز هذا الجانب الرّوحيّ فيه بل لم أجده أكثر خجلاً منه حينها !!!!
ثمّ دخلت علينا والدته المربّية الفاضلة الأخت : وفاء المصريّ فطلبت وشاركتنا في الحديث وحدّثتنا عن ولادته وكيف فوجئت بمشكلته بادئ الأمر سيما وقد سألها الأطبّاء إن كانت تعاطت دواء أثناء حملها به ، وطبعاً لقد تعاطت حقناً تسبّب تشوّهات لدى الجنين ، ومثل هذه الحقن الخطرة من المفترض لأيّ طبيب صاحب ضمير يصفها أن يسأل إن كانت المرأة حاملاً أو لا وإن لم تكن تعلم كحال أختنا أمّ عبد الرّحمن حينها أن يطلب منها تحاليل لنفي وجود حمل .
وبعد ولادة عبد الرّحمن أكّد لها الأطبّاء أنّه لن يعيش أكثر من شهور فطلبت جدّته لأمّه أن تحتضنه هي وخالاته في سوريا بينما تسافر الأم إلى الكويت حتّى لا تتعلّق به ثمّ يموت . لكنّ الله شاء غير ذلك وماعند الله لا يعلمه أحد . وعاش عبد الرّحمن سنة عند جدّته التي اعتنت به أشدّ الاعتناء ، وكانت كثيرة الجلوس معه والتّحدّث إليه حتّى بدأ يتكلّم في الشّهر السّابع كلمات واضحة ، وكان يتابع في ذلك السّنّ المبكّر برامج الأطفال ويقلّد الكلمات والأصوات فيها ونمت لديه خلال هذه السّنة قدرات عجيبة لم يتصوّرها أحد ممّن حوله سيما وأنّهم يعلمون أنّ لديه أذيّة دماغيّة .
سافرت الأم بطفلها إلى الكويت ولم تأل جهداً في مساعدته على تجاوز محنته الجسديّة بالدّعم الإيمانيّ المعنويّ الدّائم ، وكانت تأتي له بكلّ جديد ينمّي قدراته الجسديّة والفكريّة من ألعاب وقصص وأفلام فيديو تعليميّة ، حتّى أنّه استطاع تعلّم الأحرف قبل دخوله إلى المدرسة ، وحين بلغ سنّ الدّخول إلى المدرسة تقدّمت أمّه إلى مدرسة تأهيليّة حكوميّة فرفضته المدرسة لأنّه لا يحمل الجنسيّة الكويتيّة ، فما كان من الأم المغلوبة على أمرها إلاّ أن تضعه في مدرسة كفاءاتها التّعليميّة وإمكاناتها التأهيليّة ضعيفة ، وكانت حالات الأطفال الذّهنيّة في تلك المدرسيّة متأخّرة جدّاً ، ممّا جعل حالة عبد الرّحمن من جميع النّواحي تتراجع تدريجيّاً خلال أربع سنوات أمضاها هناك . اضطرت أختنا أم عبد الرّحمن بعدها أن تخرجه من المدرسة بعد أن خسر ولدها قدراً لا يستهان به من إمكانيّاته . لكنّ الأمّ الصّابرة لم تيأس وحوّلت بيتها إلى مدرسة من خلال ما حوته فيه من كلّ أنواع القراءات السّمعيّة والبصريّة والمكتوبة التي يمكن أن تفيد ولدها .. وتعلّم عبد الرّحمن في البيت والمسجد قراءة القرآن حتّى أجادها ، وطلبت منه أن يقرأ أمامي فقرأ كأحسن ما تكون القراءة وكان إذا أخطأ صحّح لنفسه . ثمّ أخبرتني والدته أنّه يقرأ الكثير من الكتب ، وفعلاً لاحظتُ ذلك من خلال معلوماته التّاريخيّة والدّينيّة ، ولو أخبرتكم عن أكثر النّزهات له إثارة لدهشتم .. إنّها الّذهاب إلى المساجد وخاصّة القديمة منها وهو يقرأ باهتمام بالغ كلّ ما يقع تحت يديه من كتب تتعلّق بالعمران الإسلامي والمساجد القديمة ويحفظ اسم كلّ مسجد والبلد التي يوجد فيها والعهد الذي بنيت فيه وأسماء من أمر ببنائها من الخلفاء . فتخيّلوا يا عباد الله !!!
وبعد حديثي مع أمّ عبد الرّحمن عدت إلى الحديث مع عبد الرّحمن فسألته : ماذا تتمنّى في الحياة ..
فأجابني جواباً جعل الدّموع تذرف من عينيّ رغماً عنّي .. أجابني : لا أريد شيئاً لي فأنا بخير والحمد لله ، لكنّني أريد من النّاس أن يحمدوا الله دائماً ، ويرضوا بما آتاهم !!!!!
فقلت : وماذا تتمنّى في الآخرة ؟
قال : أن يمنحني الله رجلان من ذهب كجناحي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهنا لم أتمالك نفسي وقلت له بصوت متهدّج : أبشر بذلك يا عبد الرّحمن ، فأنت إن شاء الله من الصّابرين بل والحامدين الّذين يدخلون الجنّة أوّل النّاس وبدون حساب والله تعالى يقول : (( ولهم فيها ما تشتهي الأنفس )) وفسّرت له الآية وقلت له : ما دمت تمنّيت ذلك فسيكون ذلك لك بإذن الله .
فسألته : وبمن تحبّ أن تجتمع في الجنّة ؟
فأجابني : بجدّتي ..
فسألته : ولماذا جدّتك ؟
قال : لأنّي أحبّها جدّاً .
فقلت له : أتحبّها أكثر من أمّك ؟
قال : أمّي هي أغلى مخلوق على قلبي وكلّ الدّنيا تأتي بعدها . فبكت الأم .
فقلت : إذن لماذا لم تقل أحبّ أن أجتمع في الجنّة بأمّي ؟
ضحك وقال : لأنّها معي دائماً ، وستكون معي في الجنّة إن شاء الله !!!!
(وسألت أخته فيما بعد عن سرّ محبّته لجدّته أنّه كان يحبّها كثيراً لأنّها كانت تحنو عليه وتهتمّ به وتشجّعه وهي من ربّته سنة بعد ولادته ، وحين توفّيت منذ سنتين حزن لفراقها حزناً شديداً ، إلّا أنّه حين رأى جزع من حوله عليها زحف إليهم وتوسّط بينهم قائلاً بصوته الجهوري : اصمتوا .. هذا لا يجوز .. الموت حقّ وإن كان الفراق عصيب ... قولوا لا إله إلّا الله . قالت : فصمت الجميع )
وأعود لعبد الرّحمن حيث سألته : وبمن تحبّ أن تجتمع في الجنّة أيضاً ... فأجابني : بأهلي وإخوتي وكلّ أحبّتي ...
فسألته : هل تحبّ إخوتك ؟
فأجاب : كثيراً وهم يحبّونني كثيراً ويساعدونني ولا يتضايقون منّي أبداً .
فقلت له : لا بدّ وأن يحبّوك بل ولا بدّ أن يحبّك كلّ النّاس لأنّ الله يحبّك ..
ثمّ أردفت قائلة : ولكن ألا تحبّ أن تجتمع بالنّبيّ
فأجابني : طبعاً .. ومن لا يتمنّى أن يجتمع بالنّبيّ .. وأنشد لي أبياتاً رائعة في حبّ النّبيّ فلم يخطئ في حرف منها ، وكان متفاعلاً معها إلى حدّ بعيد جعلنا نتأثّر جميعاً بها ونبكي شوقاًً للنّبيّ
فطلبت منه أن يدعو لي بمرافقة النّبيّ في الجنّة . فدعا لي .
وحين أردت الذّهاب أحسست أنّه يريد أن أبقى معهم زمناً أطول ولكنّ الوقت كان قد تأخّر ، فوعدته بزيارة ثانية لو أحبّ حين يرجع من الكويت . وسألته إن كان مرتاحاً للحديث معي .. فأجابني : جدّاً والحمد لله . فأخبرته أنّي سأحكي عنه في المنتدى وأنّه سيكون له أصدقاء على المنتدى بإذن الله فسرّ بذلك جدّاً وكاد يطير من الفرح حتّى أنّه ضحك ضحكة عالية لم يضحكها طيلة لقائي به ، وأعطاني صورته وهو في الجامع الأمويّ لأنشرها في الصّفحة لكنّني لا حظت أنّ الصّور تفتح في المنتدى بصعوبة وقد لا تفتح أبداً فلم ألحقها في الصّفحة وأنا من هنا أتأسّف لأخي عبد الرّحمن على ذلك .
هذا هو عبد الرّحمن بطل لم أتخيّل أن أبدأ به تجارب ( أبطال الحياة )لكنّ حكمة الله شاءت أن يكون بطلنا الأوّل لعبر كثيرة أتمنّى أن تستخلصوها بأنفسكم . وأرجو أن تحيّوا معي بطلنا الأوّل ( عبد الرّحمن ) وتسلّموا عليه فهو بانتظار رسائلكم جميعاً .
أختكم المحبّة : ميسون[/align]